جلال الدين الرومي

60

فيه ما فيه

ولم يطلب حظ غيره . إن هذا الطلب من حاسة لحظ غيرها المستقل عنها لدليل على أن هذه الحاسة لم تجد كل حظها كما يتوجب وإنما وجدت حظا ناقصا فلا جرم من أنها لم تعرفه في ذاك الحظ وتطلب حظ غيرها من الحواس أو تطلب العدد . كل حاسة ذات حظ وعمل مستقل والحواس جمع في المعنى متفرقة في الصورة ؛ فإذا حصل استغراق لحاسة استغرق الجميع فيها كشأن ذبابة تطير وتحرك جناحها وراءها ، وتتحرك سائر أعضائها ؛ فإذا سقطت في العسل وغرقت استوت جميع أعضائها فلم تبد حركة وتستغرق في العسل بحيث تغنى ولا يبقى لها جهد ولا حركة وتغرق في العسل ، وكل فعل يتأتى منها ليس هو فعلها ، بل فعل العسل ؛ فإذا كانت لا تزال تحرك أعضاءها فلا يقال إنها غرقت أو إنها لا تزال تصرخ قائلة ( آه قد غرقت ) فلا يمكن أن يقال استغرقت . ويظن الناس أن القول ( أنا الحق ) ادعاء عظيم بينما ( أنا الحق ) تواضع عظيم ؛ لأن من يقول أنا عبد الله فإنه يثبت وجودين وجوده ووجود الحق ، أما من يقول أنا الحق فقد أفنى ذاته ، يقول أنا الحق أي أنني فان وهو كل شئ وليس لغير الله وجود وأنا عدم محض بالكلية ولا شئ والتواضع في هذا القول أكبر مما لا يفهمه الناس ، أما الرجل يعلن عبوديته لله وحسبة لله وفما عبوديته إلا شئ ثابت الوجود ، ومع أنه يرى أو يثبت ذاته من أجل الله ويرى فعله ويرى الله لكنه لم يغرق في الماء ، وإنما غرق الماء هو لمن لم يبق فيه حركة وفعل لكن حركاته مع حركة الماء . طارد أسد غزالا فكان يتهرب منه ؛ فهنا وجودان وجود للأسد وآخر للغزال ، فإذا اقتنصه الأسد وقهره بمخلبه وخر